قراءة في حسابات نتنياهو لاحتلال القطاع او التوصل لصفقة

 

 

 

لقاء المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف برئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في إيبيزا الإسبانية، قد يبدو للوهلة الأولى مجرد محطة في سلسلة طويلة من اللقاءات التي لم تغيّر حتى الآن مسار الحرب على غزة. لكن التوقيت والمكان والسياق تضع هذا الاجتماع في إطار أكثر حساسية، إذ يأتي بعد عدة ايام على اتخاذ الكابينت الأمني والسياسي الإسرائيلي قرارا واضحًا بالمضي نحو احتلال كامل القطاع. وفي ظل جمود المفاوضات نتيجة إصرار حماس على وقف الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي، ورفض إسرائيل لهذا الشرط المبدئي. السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن لبنيامين نتنياهو أن يتراجع عن قرار الكابينت ويذهب إلى المفاوضات على أساس المقترح الأميركي القطري الذي قد يتبلور خلال أيام؟

من الناحية النظرية، فإن نتنياهو ليس مقيدًا بقرارات الكابينت بشكل مطلق؛ فهو الذي شكّل هذا المجلس الوزاري الأمني وهو الذي يوجهه، وقد أثبت في أزمات سابقة أنه قادر على إعادة التموضع إذا وجد في ذلك مصلحة سياسية أو أمنية أو شخصية. لكن هذه المرة الوضع أعقد بكثير. قرار احتلال كامل غزة لم يكن مجرد موقف عابر، بل جاء نتيجة ضغط من الجناح اليميني المتطرف في حكومته، ومن أوساط نافذه في المؤسسة العسكرية التي ترى أن الحرب الجزئية والدخول المحدود لمناطق في غزة ثم الانسحاب منها قد فشل في تحقيق أهدافه. وبالتالي، فإن تراجع نتنياهو عن هذا القرار، خاصة في مرحلة أعلن فيها "الحسم" كهدف، سيُعتبر هزيمة سياسية أمام قاعدته الانتخابية، وخضوعاً للإملاءات الأميركية والقطرية.

على الجانب الآخر، يواجه نتنياهو ضغطاً أميركياً متزايداً، ليس فقط من إدارة ترامب التي تسعى إلى تهدئة المنطقة حفاظا على المصالح الأميركية، بل أيضاً من البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية التي تحذّر من أن استمرار الحرب دون أفق سيؤدي إلى انفجار إقليمي أوسع. الضغط الأوروبي والعربي، ولا سيما من قطر ومصر والأردن، يضاف إلى هذه المعادلة، بحيث يجد نتنياهو نفسه محاصراً بين الداخل المتشدد والخارج الذي يطالبه بخطوة سياسية جريئة.

وبحسب التسريبات، فإن الخطة الإسرائيلية تحدد السابع من أكتوبر 2025 كبداية محتملة للعملية، لكن بصيغة فضفاضة تتيح تعديله أو تأجيله. هذا الهامش الزمني، وفق تقديرات محللين، قد يشكل نافذة لاستثمار الجهود الدبلوماسية في إعادة إحياء مفاوضات الهدنة المتعثرة.  وهناك من يقرأ الفترات الزمنية المتباعدة بين بدء الهجوم لإحتلال كامل القطاع وبقية المراحل على أنه محاولة لإبقاء الباب مفتوحاً أمام تسوية سياسية، قبل أن يتحول القرار إلى واقع ميداني عسكري يصعب التراجع عنه.

وكانت المفاوضات الأخيرة قد انهارت بسبب تمسك حماس بمطلبين واضحين: وقف الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من كامل غزة. هذه الشروط تتعارض مباشرة مع الرؤية الإسرائيلية التي تسعى لفرض "واقع أمني جديد" يضمن بقاء قواتها في مواقع استراتيجية أو إقامة مناطق عازلة. ورغم أن الموقفين يبدوان متناقضين تماماً، إلا أن فكرة "الكل مقابل الكل" ما زالت على الطاولة. هذه الفكرة، التي تتضمن إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين الأحياء والجثث مقابل وقف الحرب، قد تمثل حلاً شاملاً ينهي الجولة الحالية من الصراع، ويعيد ملف غزة إلى مربع المفاوضات السياسية برعاية إقليمية ودولية.

الا أن قبول نتنياهو بهذه الصفقة سيكون تنازلاً كبيراً عن سردية "الانتصار" الذي يسعى لتحقيقه، لكنه قد يمنحه فرصة للادعاء بتحقيق إنجاز إنساني وأمني في آن واحد، خصوصاً أن ملف الأسرى يحتل مكانة حساسة في الوعي الإسرائيلي العام. وفي المقابل، ستتمكن حماس من تقديم الاتفاق لشعبها كـ "انتصار استراتيجي" لأنه أوقف الحرب وأجبر الجيش على الانسحاب.

من جانبهما إعتبر بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير أن قرار الكبينت بإحتلال القطاع ليس استراتيجيا، بل إجراءً تكتيكيا مؤقتا لا يحقق رؤيتهما لما يسمّيانه "حسم المعركة". وأكد الوزيران المتطرفان أن الهدف من وجهة نظرهما يجب أن يتجاوز السيطرة العسكرية المؤقتة ليشمل إعادة الاستيطان في القطاع وتهجير الفلسطينيين منه، معتبريْن أن أي أقل من ذلك هو "تضييع للفرصة التاريخية".

وذهب سموتريتش وبن غفيرالى التلويح  بالانسحاب من الحكومة إذا لم تُنفذ هذه الأجندة كاملة، مهددين بالذهاب نحو انتخابات مبكرة، رغم أن استطلاعات الرأي الأخيرة في إسرائيل تشير إلى أن حزب "الصهيونية الدينية" برئاسة سموتريتش قد لا يتجاوز نسبة الحسم في أي انتخابات مقبلة، ما يضع تهديداته في إطار الضغط السياسي أكثر من كونه خياراً واقعياً مضمون النتائج.

هذا الموقف يضيف مزيداً من الهشاشة إلى الائتلاف الحكومي بقيادة بنيامين نتنياهو، الذي يحاول الموازنة بين ضغوط أقصى اليمين من جهة، والاعتبارات العسكرية والسياسية الداخلية والخارجية من جهة أخرى، في ظل حرب مفتوحة على غزة وتوترات إقليمية متصاعدة قد تجعل من أي تصعيد غير محسوب مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر. إزاء ذلك، يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية : 

الأول، أن يواصل نتنياهو الحرب حتى تحقيق الاحتلال الكامل، تنفيذاً لقرار الكابينت، رغم الكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية الهائلة. هذا السيناريو يحافظ على تماسك الحكومة اليمينية، لكنه يفاقم عزلة إسرائيل الدولية، ويؤجل حسم ملف الأسرى إلى أجل غير معلوم.

الثاني، أن يتم التوصل إلى صفقة شاملة تحت ضغط أميركي-إقليمي، توقف الحرب وتعيد جميع الأسرى مقابل انسحاب إسرائيلي. هذا المسار يحقق انفراجاً إنسانياً فورياً، لكنه يقود إلى أزمة حكومية داخلية قد تنتهي بانتخابات مبكرة.

الثالث، صيغة وسطية تقوم على وقف إطلاق نار مؤقت أو مرحلي، يترافق مع الإفراج عن الأسرى على دفعات، مع بقاء قوات إسرائيلية في مواقع محدودة لفترة انتقالية. هذه الصيغة قد تمنح كل طرف فرصة لادعاء تحقيق مكاسب، لكنها تبقى هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة.

الرابع، فشل كل المساعي الدبلوماسية وعودة التصعيد العسكري بوتيرة أشد، ما قد يفتح الباب أمام تدخل أطراف إقليمية أخرى، ويحوّل الصراع في غزة إلى بؤرة حرب أوسع في المنطقة.

في كل الأحوال، لا يمكن فصل قرار نتنياهو عن حساباته الشخصية، فهو يدرك أن مستقبله السياسي والقانوني مرتبط بمصير هذه الحرب. استمرارها يمنحه غطاءً سياسياً للهروب من محاكمات الفساد، لكن فشلها قد يسرع نهاية مسيرته السياسية. كما أن أي قرار بالتراجع عن الاحتلال الكامل سيكون مشروطاً بقدرته على إعادة تسويق هذا التراجع كخطوة "تكتيكية" تخدم الأمن الإسرائيلي، وليس كنتيجة للضغط الخارجي أو "انتصار" حماس.

أما بالنسبة للولايات المتحدة وقطر، فإن رهانهما في إيبيزا وفي العواصم الأخرى التي تشهد اتصالات مكوكية، هو على إقناع نتنياهو بأن الخروج باتفاق سياسي أفضل من الغرق في مستنقع غزة بلا نهاية. لكن هذه المراهنة تصطدم بطبيعة الائتلاف الحاكم في إسرائيل، الذي يضم أطرافاً تعتبر أي تنازل "خيانة وطنية".

من هنا، يبدو أن الطريق إلى اتفاق شامل ما زال مليئاً بالعقبات، لكنه ليس مستحيلاً. فالتاريخ القريب يظهر أن حروب غزة السابقة انتهت في لحظة ما، حين التقت حسابات الأطراف المتصارعة عند نقطة مشتركة، غالباً بوساطة إقليمية ودولية. الفارق هذه المرة أن الرهانات أكبر، والتنازلات المطلوبة أعمق، والوقت يضيق أمام الجميع.

في النهاية، قد لا يكون لقاء إيبيزا هو الذي يوقف الحرب، لكنه قد يكون جزءاً من سلسلة خطوات صغيرة تفتح ثغرة في جدار العناد السياسي والعسكري. وإذا حدث ذلك، فإن نتنياهو سيضطر إلى اتخاذ القرار الأصعب في مسيرته: الاختيار بين إنقاذ حكومته أو إنقاذ صورته أمام العالم. وفي السياسة الإسرائيلية، كما يعرف الجميع، لا يمكن الجمع بين الاثنين إلى الأبد.

 

 

 

Loading...